التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الثقافة المستعملة


الثقافة المستعملة


رواد هذا الصنف من الكتب المستعملة من نوع خاص .. تجدهم يترددون على الأماكن الخاصة بعطش ثقافي صرف .. وهذا لا يعني بانهم لا يطلعون على الجديد في الاصدار ولو عبر الصحف ... لقد كنت شديد الحرص على التزود بالكتب بالكتب المستعملة من الرصيف .. ذلك لاعتبارات تختلف من شخص الى اخر .. كما ان البائع تجده متزودا من شتى المعارف التي تناقشه وتجادله فيها .. ويحرص على رايه اشد اشد الحرص .. وله نسك وعزلة .. يشتكي من عدم تفهم الآخر له .. ومن خشيته من المستقبل المجهول ..
)الثقافة يجلسون عليها ( .. هاته الجملة تفوه بها احدهم وهو يفترش مجموعة من المجلات .. فاذا كان المتلقي / القارئ بريئا .. فان الثقافة تجنح في غالب الأحيان إلى مخالب وفخاخ اغلب الكتاب السياسيين والذاتيين .. والبائع ليس سوى صلة وصل بين النص والمتلقي ..
فكم من كتاب محظور من القراءة والتداول تجده معروضا للبيع في الرصيف ..
ان الحرية الثقافية في الرصيف وليست في المكتبات او المؤسسات .. وحتى في وسائل الاعلام تنعدم فيها الحرية .. فمن يعرف القيمة العلمية للنص المحرم يخفيه عن اعين المارة ولا يبديه الا للزبائن .. وكان احد الاصدقاء من البائعين يزاول ذلك .. وحين ترددي عليه يطلعني على الكتب المحرمة من التداول والانتشار .. اما الذي لا يفهم فقد استراح واراح معه الزبائن ..
والتبديل للكتب المقروءة امر يتعلق بالبائع والزبون مع دفع ثمن رمزي للكراء .. وهذا التبادل يكون مقابل الكتاب المستعمل الذي ياتي به الزبون .. اذا كان الكتاب مستعملا فالمقابل مثله .. واذا كان جديدا كان المقابل على شاكلته كذلك .. فالبائع لا يعير الاهتمام لقيمة النص بل للكتاب .. هل هو مستعمل ام لا .. وهكذا يحدث التفاعل والتواصل المعرفي / الثقافي من اوسع ابوابه لكن من الرصيف .. ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر .. ويوجد في الرصيف ما لا يوجد في المكتبات .. كما ان العلاقة تنبني على العرف الثقافي والتجاري ..فالبائع يحرص على ارضاء الزبون .. والمشتري يحرص على ان لا يسبب أي اتلاف اوتعطيل او بتر وتمزيق حتى لا يفقد مصداقيته مع صاحب مكتبة الرصيف .. وحتى يظل متزودا من شتى اصناف الكتب المستعملة بثمن يناسب حالته المادية عن طريق الشراء او الكراء او الاستعارة او التبادل ..
ويتم التعارف .. وتتوطد عرى الصداقة الثقافية بين كلا الجنسين .. وحتى الكتاب الكبار يترددون على الرصيف .. مثل شكري ايام زمان .. ومجموعة من الاساتذة والطلبة والدكاترة يفضلون الرصيف على المكاتب ..وكذلك الامر مع جل الكتاب والمثقفين والفنانين .. وتسابقت انا وفتاة على الخبز الحافي .. واعطاها صديقي الاولوية في قراءته ..
لكن اليوم يختلف الامر عن الماضي السابق بكثير .. كما ان الغلاء اشتمل كل شيء .. حتى الكتب المستعملة ..
والميول الثقافية والسياسية تختلف من بائع لاخر .. فيهم من يتعاطى الادب .. واخر للسياسة .. واخر للرياضة والاخبار .. واخر لا يهمه غير الربح المادي ..
لقد تعرفت على شخص مثالي .. كان لا يكترث للربح المادي ابدا لكنه كان يعاني من الخصاص والاعوزاز والاسقام كثيرا .. وكانت له مشاكل سياسية مع السلطات .. وتم سجنه بسبب ميوله اليسارية .. ومشاكل البعض من هؤلاء الباعة طريفة للغاية .. احدهم كان يعاني من العزلة مع اهله لانعدام التفاهم ولان خطابه يتسم بالاستعلاء .. واخر كان يعاني من الفقر المادي مع اهله  بسبب كثرة الطلبات والرغبات التي لا تنتهي .. كما ان البعض منهم كان له مشكل مع السلطات بسبب ارائه اليسارية ..
انهم يخشون المستقبل ويرتابون من الاحداث والواقع واوهام الابداع .. كنت اطلع على كتابات احدهم الابداعية .. فكنت اقترح عليه النشر في الصحف فكان يقول لي : ) اخشى العواقب ( .. لان الماضي المؤلم كان يملي عليه الحذر حتى لا يبطشوا به مرة اخرى ..
وللمكتبات الرصيفية اماكن محدودة .. لا تزيد عن رؤوس الاصابع .. مثل زنقة تطوان وسوق الحي الجديد وشارع فاس وفوق باب المرسى .. واليوم انقرض معظمها .. وتتحرك بعض المكتبات الرصيفية ايام موسم الدخول المدرسي فقط ..
وهاته المهنة تفتقر الى صبر ايوب وجدال افلاطون وثرثرة حواء .. روادها من البسطاء والنخبة قليلون .. وعشاقها في خصاص مادي في اغلب الاحيان ..
الثقافة المستعملة مفروشة في الرصيف وعلى مراى عابري الطريق .. وتجد الزبائن في اختيارهم واهتمامهم لكل المواضع .. يتصفحون الغث منها والسمين .. لا يسام بائع الكتب ولا يضيق من الزبائن ولا يقلق .. وعادة يكون الاقبال على الاحسن والافضل .. بل على المثير من العناوين وعلى الممنوع ايضا ..
من خلال احتكاك البائع اليومي مع زبائنه يمكن له ان يصنف القراء في عتبة الجهل او في درجة الوعي ..
واليوم اصبحت المكتبة الرصيفية لا تفرق في اسعارها بينها وبين المكتبات ..وربما تجد الكتاب البالي سعره مرتفع عن الكتاب الجديد ..  ثمن الرصيف زائدا عن ثمن المكتبة .. كما ان البائع يسوي الاسعار للكتب المستعملة والجديدة .. والرواد في حيرة من امرهم .. وهذا الامر المزري ينفرهم ولا شك .. ومحليا فهاته الظاهرة على وشك الانقراض ان لن نقل انقرضت .. بسبب الاهمال وقلة الوعي الثقافي ..
عبدالله الرواس طنجة جريدة صباح اليوم المحلية العدد 18 ليوم 27/4/1999
إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

طرائف واقوال عن اللحية الطويلة يختلف شكل اللحية وحجمها من مذهب إلى آخر ومن بلد عربي أو مسلم إلى آخر. فاللحية السعودية ليست كاللحية الإيرانية، أو الأفغانية، أو السودانية، أو المصرية، أو السورية، أو المغربية...
اعتذر مسبقا لأصحاب اللحى فلم أزد على نقل ما كتبه الاخرون من المتقدمين والمعاصرين
قال المناوي والطول المفرط يعني للحى قد يشوه الخلقة ويطلق السنة المغتابين
قال زياد بن ابيه ما زادت لحية رجل على قبضته الا كان ما زاد فيها نقصا من عقله
لقد قال العرب الكثير في اللحى ومن ذلك قول ابن الرومي لصاحب لحية طويلة عريضة:
لو رأى النبي مثلها لأجرى .... في لحى الناس سنة التقصير
وقال أيضاً
إذا عرضت للفتى لحية .....وطالت وصارت إلى سرته
فنقصان عقل الفتى عندنا ..... بمقدار ما يزيد في لحيته
و قول ابن الرومي ايضا
ولحية يحملها مـائق*****مثل الشراعين إذا أشرعا
تقوده الريح بها صاغرا*****قودا عنيفا يتعب الأخدعا
فإن عدا والريح في وجهه*****لم ينبعث في وجهه إصبعا
لو غاص في البحر بها غوصة*****صـاد بها حيتانه أجمعا
شبه ابن الرومي لحية المهجو بالشراع تدفع به الرياح كما تندفع السفينة به، وهذه الصورة السافرة أوحت له بالصورة الث…
اخلع نعليك
تحلقنا للرقص الصوفي نبض الكون والايقاع الإلهي ..كلهم تخلصوا من نعالهم بطريقة أو بأخرى إلا أنا قال:
اخلع نعليك قلت له: الأرض باردة قال: لا يجوز الرقص في النعال قلت له: الصلاة جائزة في النعال والقدسية لمن للرقص أم للصلاة
الشيخ أبو يعقوب يوسف بن أيوب بن يوسف بن الحسين بن وهرة الهمذاني  

وَحكى إِمَام الشَّافِعِيَّة فِي زَمَنه أَبُو سعيد عبد الله بن أبي عصرون قَالَ: دخلت بَغْدَاد فِي طلب الْعلم فَوَافَقت ابْن السقا ورافقته فِي طلب الْعلم بالنظامية وَكُنَّا نزور الصَّالِحين وَكَانَ بِبَغْدَاد رجل يُقَال لَهُ الْغَوْث يظْهر إِذا شَاءَ ويختفي إِذا شَاءَ فقصدنا زيارته أَنا وَابْن السقا وَالشَّيْخ عبد الْقَادِر وَهُوَ يَوْمئِذٍ شَاب وابن السقا فقيه من أعيان القرن الخامس الهجري. وكان لكل واحد منهمنيّة خاصة في زيارته للشيخ يوسف الهمداني، وهم في الطريق إلى زيارة الشيخ يوسف الهمذاني سألوا بعضهم لماذا نذهب لزيارته؟ فقال ابن السقا لصاحبيه وَهم سائرون: اليوم أريد أن أسأله سؤالا أحيّره فيه،لأسألنه مسألة لَا يدْرِي ولا يعلم لَهَا جَوَابا، إن قصدي من زيارة الشيخ أن أمتحنه في علوم الشريعة وأن أبين جهله للناس المغترين به. وابن عصرون قال: وَقلت لأسألنه مسألة وَأنْظر مَا يَقُول فِيهَا، سأطلب منه الدعاء لي بالغنى ومزيد من المال، أريد زيارته لأتبرك فيه، وقال الشَّيْخ عبد القادر الجيلاني: أما أنا فقد قيل لي عن صلاحه ومناقبه سأزور…